الغفران والشفاء الإلهي
+ يقدّم لنا القديس مرقس مشهدًا مملوءًا بالدهشة والعجب: بيت مزدحم بالمؤمنين، وسقف يُهدم، ومفلوج يُدلّى أمام المسيح بإيمان أصدقائه. لم يرَ المسيح في البداية المرض الجسدي، بل جرحًا أعمق في النفس. لذلك بدأ بالقول: “مغفورة لك خطاياك”، لأن الخطية هي المرض الأصلي الذي شلّ روح الإنسان قبل جسده.
السيد المسيح لم يأتِ ليُريح الجسد فقط، بل ليقيم الإنسان كله من شلل الخطية إلى حركة النعمة. وكما قال القديس كيرلس الكبير: “لقد أتى الطبيب السماوي لا ليُعالج الجسد فحسب، بل ليمسّ جذر الداء، أي الخطية التي هي سبب كل ضعف.”
اولاً: الإيمان العامل بالمحبة
لم يكن المفلوج وحده صاحب الإيمان، بل كان إيمان أصدقائه شريكًا في المعجزة { فلما رأى يسوع إيمانهم.}(مر ٢: ٥). الآباء يرون في هؤلاء الأربعة رمزًا للفضائل الأربع الأساسية (الحكمة، العدل، القوة، العفة)، أو الي الكنيسة الجامعة التي تحمل الخطاة إلى المسيح، أو الي الأصدقاء الحقيقيين الذين لا يكتفون بالتعاطف، بل يعملون بكل وسيلة لإيصالنا إلى المسيح والشفاء. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “الإيمان ليس كلمات تُقال، بل تعب المحبة الذي يشقّ السقف من أجل الآخر.” هذا الإيمان العملي هو الذي يحرّك قلب المسيح. فالمسيحية ليست كلام نظري بل الإيمان العامل بالمحبة.
ثانياً: الشفاء الداخلي قبل الخارجي
حين قال المسيح: “مغفورة لك خطاياك”، ثار الكتبة في قلوبهم. لكن الرب أراد أن يُعلن أن له السلطان على الجسد والروح وكليهما بيده. فالخطية تشلّ الضمير، وتربط الإرادة، وتُفقد الإنسان القدرة على السير في طريق الله. لذلك يقول القديس أثناسيوس الرسولي:
“الذي يحرّر النفس من خطاياها يقدر أيضًا أن يحرّر الجسد من ضعفه، لأن كليهما من صنع يديه.” وهكذا نرى أن الغفران هو أعظم من الشفاء، لأن الجسد الفاني سيعود إلى التراب، أما الروح المغفورة خطاياها هي التي تحيا إلى الأبد.
ثالثاً: دعوة للقيام
{ قم واحمل سريرك وامضِ إلى بيتك}.
لم يطلب المسيح من المفلوج أن ينهض فحسب، بل أن يحمل سريره أيضًا، ليشهد لكل من حوله أن النعمة تغلب الضعف. السرير الذي كان رمزًا للعجز أصبح شاهدًا على القوة. يقول القديس أمبروسيوس: “من كان محمولًا صار حاملًا، لأن النعمة لا تكتفي بأن تقيمك، بل تجعلك شاهدًا للآخرين على قوة القيامة.” البيت الذي عاد إليه المفلوج يرمز إلى بيت النفس أي القلب الذي يعود إليه الإنسان بعد التوبة، ليجد فيه سلامًا جديدًا مع الله ومع ذاته.
رابعا: رسالة المسيح لنا اليوم
كل واحد منا هو “مفلوج” من نوع ما، شلل من الخوف، أو الحزن، أو العادة، أو الخطية الخفية. لكن المسيح لا ينتظر منا الكمال، بل الإيمان البسيط الذي يشقّ السقف أي يتخطى الموانع الخارجية والداخلية ليصل إليه. يقول البابا شنوده الثالث: “إن لم تستطع أن تمشي إلى المسيح، فدع أصدقاءك يحملونك بالصلاة. فالله يسمع لدموع المحبة أكثر مما يسمع لصوت الشفاه.”
- احمل نفسك إلى المسيح كل يوم في صلاة التوبة.
- احمل الآخرين في صلاتك واهتمامك، كما حمل الأصدقاء المفلوج.
- انهض من فراشك أي من خطيتك ولا تعد إليها، بل امضِ إلى بيتك بروح جديدة.
+ الله لا يزال يقول لكل واحد منا: “يا بني، مغفورة لك خطاياك... قم واحمل سريرك وامضِ إلى بيتك.” الرب الإله يهب الغفران قبل الشفاء، والقيامة قبل الصحة، والمجد بعد الألم. الذي شفى المفلوج من عجز الجسد قادر أن يشفينا من عجز الروح ومرض الخطية ويقيم فينا صورة الإنسان الجديد، القائم بقوة المحبة والنعمة.
القمص أفرايم الأنبا بيشوى

