تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

يختم معلمنا القديس بولس الرسول رسالته إلى أهل أفسس بنداءٍ روحي عظيم، إذ يكشف للمؤمن أن حياتنا الروحية ليست حياة راحة أو استرخاء روحي، بل هي جهاد مقدس وحرب مستمرة ضد قوات الشر. لكنه في نفس الوقت يطمئننا أن الله لم يترك أولاده بل أعطاهم “سلاح الله الكامل” لكي يغلبوا ويثبتوا.{ أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، }(أف ٦: ١٠-١٨). المسيح له المجد هو مصدر القوة لنا فالذي يحارب وحده يسقط أما الذي يحتمي بالمسيح فينتصر مهما اشتدت الحرب.
أولاً: طبيعة الحرب الروحية
الكنيسة تعلمنا أن حرب المؤمن ليست ضد البشر، بل ضد الشر والخطية وأفكار الظلمة. فالعدو الحقيقي هو إبليس الذي يحارب الإنسان بأفكار اليأس ومحبة العالم، والشهوات والفتور والكبرياء والإدانة والخوف
والشك. لكن الشيطان هو عدو مهزوم بالصليب وقيامة السيد المسيح. لذلك فنجاحنا في الحرب يكون بتمسكنا بالنصرة التي أعطاها المسيح لنا يقول القديس أثناسيوس الرسولي: “الشيطان بعد الصليب صار كعصفورٍ مربوط، يخيف من يبتعد عن المسيح، لكنه لا يقدر على من يثبت فيه”.
اما عن مكونات سلاح الله الكامل
١- منطقة الحق ..
«مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ»
المنطقة كانت تربط الثياب وتُعِد الجندي للحركة. والحق هنا هو حياة الصدق والاستقامة والثبات في الإنجيل. فالإنسان الذي يعيش في الكذب أو الرياء يصبح ضعيفًا أمام إبليس، أما من يسلك في النور فلا يجد العدو فيه موضعًا. والحق أيضًا هو المسيح نفسه، لأنه قال: { أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ}
لذلك يقول القديس كيرلس الكبير: “من يثبت في المسيح الحق لا تخدعه أكاذيب الشيطان”.
٢- درع البر
«لاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ»
الدرع يحمي القلب. وبرّ المؤمن ليس بره الذاتي، بل البر الذي نناله بالمسيح والتوبة والأسرار المقدسة.
حين يعيش الإنسان في التوبة والاعتراف والتناول، يصير قلبه محفوظًا بنعمة الله. أما الغير التائب فالخطية هي ثغرة يدخل منها العدو يقول الانبا أنطونيوس الكبير: “حيث توجد التوبة الحقيقية يهرب الشيطان خزيانًا”.
٣- استعداد إنجيل السلام
«حَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ»
المؤمن الحقيقي يسير في طريق السلام، لا بالخصام والكراهية. فالشيطان يحب الاضطراب والانقسام، أما المسيح فهو ملك السلام. وحين يمتلئ الفكر والقلب بكلام الله فانه يحتمل الغير ويغفر، ويحب ويخدم. وهكذا يعجز إبليس أن يزرع العداوة داخله. يقول مار إسحق السرياني: “اقتَنِ السلام الداخلي، فتتصالح معك السماء والأرض”.
٤- ترس الإيمان
«تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تُطْفِئُونَ جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ». سهام الشرير كأفكار الشك واليأس والخوف، والشهوة، والتجديف، والإحباط. لكن الإيمان يطفئها. والإيمان ليس مجرد معرفة عقلية، بل ثقة كاملة بمعونة الله وأنه ضابط الكل، وأن نعمته أقوى من الحرب. عندما حارب الشيطان القديس الأنبا موسى الأسود بأفكار ماضيه، كان يجيب قائلاً: “إن كان الله قد غفر لي، فمن أنت حتى تذكرني بخطايا غفرها المسيح؟” فانكسر العدو أمام قوة الإيمان والاتضاع.
٥- خوذة الخلاص
«خُوذَةَ الْخَلاَصِ» الخوذة تحمي الرأس والفكر. وإبليس يحارب الفكر باستمرار بالتشويش، والقلق، والأفكار النجسة، واليأس. لكن الإنسان الذي يثبت رجاؤه في خلاص المسيح يحفظ فكره. لذلك تعلمنا الكنيسة حفظ وترديد المزامير والصلوات، والتأمل في كلمة الله، ليبقى الفكر محفوظًا. يقول القديس مقاريوس الكبير “القلب الذي يمتلئ من الله لا تجد فيه الأفكار الشريرة موضعًا”.
٦- سيف الروح الذي هو كلمة الله
«سَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ» وهو السلاح الهجومي لنا والسيد المسيح نفسه استخدم هذا السيف حين جُرِّب على الجبل، وكان يرد على إبليس قائلاً: «مكتوب». فكلمة الله تنير الفكر، وتكشف خداع العدو، وتعطي تعزية، وتقود للتوبة، وتهزم التجربة. وكلما امتلأ الإنسان من روح الإنجيل ضعفت عليه حروب العدو. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “كما تخيف النار الوحوش، هكذا تخيف كلمة الله الشياطين”. كما أن الصلاة والسهر سر النصرة الدائمة فبعدما تكلم الرسول عن السلاح، ختم قائلاً: «مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ».
فالصلاة ليست جزءًا إضافيًا، بل هي النفس الذي يعطي الحياة لكل السلاح. فبدون الصلاة يضعف الإيمان، ويبرد القلب، ويغلبنا الفتور. أما الإنسان الساهر في الصلاة فيمتلئ قوة وتعزية وسلامًا. لهذا كان آباء البرية يرددون باستمرار: “يا رب يسوع المسيح ارحمني”. وكانت هذه الصلاة كسيف نار يحرق حروب العدو.
+ أمثلة لقديسين انتصروا في الحرب الروحية
القديس الأنبا أنطونيوس الكبير كانت تحاربه الشياطين بمناظر مخيفة وضربات جسدية، لكنه ثبت بالصلاة والصوم، حتى ظهر له الرب معزيًا. فقال له: “كنت هنا يا أنطونيوس، لكني انتظرت لأرى جهادك”. والأنبا بيشوي كان يسهر الليل كله في الصلاة، لذلك امتلأ قلبه نورًا وسلامًا، حتى استحق أن يرى السيد المسيح. والشهيد العظيم مار جرجس
لم تغلبه التهديدات ولا العذابات، لأنه كان لابسًا سلاح الإيمان والمحبة، فصار مثالاً للنصرة والثبات.
+ كيف نلبس سلاح الله عمليًا؟
نمارس التوبة اليومية. والاعتراف المنتظم. والتناول من الأسرار المقدسة. وقراءة الإنجيل والكتب الروحية يوميًا وصلوات الأجبية والمزامير. السهر الروحي ضد الخطية. علينا أن نهرب من مصادر العثرة ونحفظ الفكر والقلب. ونحيا الاتضاع وعدم الاتكال على الذات والثقة الدائمة في قوة المسيح.
+ يا ربنا يسوع المسيح، يا من غلبت الشيطان بالصليب، وأعطيت أولادك سلطانًا أن يدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، البسنا سلاحك الكامل. وامنحنا منطقة الحق لنعيش في النور،
ودرع البر لنحفظ قلوبنا نقية، وإنجيل السلام لكي نسلك في محبتك، وترس الإيمان لنطفئ سهام الشرير، وخوذة الخلاص لتحفظ أفكارنا، وسيف الروح أي كلمتك الحية الفعالة. ثبتنا فيك، وقوي ضعفنا، وانزع عنا روح الخوف واليأس والفتور. علّمنا السهر والصلاة، واجعل اسمك القدوس حصنًا لنا، حتى إذا حاربتنا قوات الظلمة لا نخاف لأنك أنت معنا. واذكر كل المجربين والمتألمين والمحاربين بالفكر أو الخطية أو الضيقة، وأعطِ لشعبك نصرة مقدسة وفرح القيامة وسلام القلب. بشفاعة أمنا مريم العذراء، ورؤساء الملائكة والملائكة وصلوات مارمرقس الرسول لقديسين والشهداء والرهبان، احفظنا ثابتين فيك إلى النفس الأخير. لك المجد الدائم إلى الأبد. آمين.

 ✍ صفحة مقالات أبونا إفرايم الأنبا بيشوي