«أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ» (يو ١٢: ٤٦). السيد المسيح له المجد تكلم هذه الكلمات في أيامه الأخيرة قبل الصليب، وكأنها نداء حب أخير للبشرية: أسرعوا إلى النور قبل أن يحيط بكم الظلام. فالرب لم يأتِ ليعطي تعليم فقط، بل جاء نورًا يبدد ظلمة الخطية، ويقود الإنسان إلى معرفة الآب والحياة الأبدية.
فقد عاش العالم طويلًا في ظلمة الخطية والجهل والخوف والموت، حتى أشرق عليه «شمس البر» في ملء الزمان. لذلك يقول القديس أثناسيوس الرسولي إن الكلمة الإلهي «تجسد لكي يبدد ظلمة الإنسان الداخلية ويعيد له صورة الله المضيئة». فالإنسان بعيدًا عن الله قد يمتلك معرفة العالم، لكنه يظل فاقدًا نور الحياة.
+ سِيرُوا في النور
يبدأ الرب بدعوة عاجلة: { فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «النُّورُ مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلاً بَعْدُ، فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ. مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ}(يو ١٢: ٣٥، ٣٦). النور هنا ليس مجرد معرفة عقلية، بل حضور المسيح نفسه في حياة الإنسان. فالذي يسير مع المسيح لا يتخبط في طرق العالم، أما الذي يرفض النور فيسير بلا هدف، «لا يعلم إلى أين يذهب». ونرى هذا واضحًا في حياة بطرس الرسول. فعندما تبع المسيح، صار صياد السمك البسيط كارزًا ينير العالم كله. لكن حين ابتعد قليلًا ليلة الصليب وأنكر الرب، دخل إلى ظلمة الخوف والمرارة والبكاء. ثم عاد إليه نور المسيح بعد القيامة فأعاد إليه الرجاء والخدمة. يقول القديس أغسطينوس: «إن ابتعدت عن الله صارت نفسك ظلامًا، وإن اقتربت منه استنارت كما يستنير الحديد بالنار». وهكذا أيضًا الابن الضال، حين ترك بيت أبيه ظن أنه ذاهب إلى الحرية، لكنه انتهى إلى ظلمة الجوع والذل. أما عندما رجع إلى أبيه عاد إلى النور والفرح والوليمة. { آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ}
الإيمان بالمسيح ليس مجرد اعتراف بالفم، بل اتحاد بالنور نفسه. فالرب يريدنا أبناءً له ومن يثبت في المسيح تظهر فيه ثمار النور: المحبة، والطهارة، والسلام، والرحمة. يقول القديس كيرلس الكبير أن «المسيح يسكب نوره في النفس المؤمنة فتتحول النفس من ظلمة الخطية إلى جمال النعمة». وهذا ما حدث مع زكا العشار. كان يعيش في ظلمة الطمع ومحبة المال، لكن عندما دخل المسيح بيته استنار قلبه، وتحول من إنسان يظلم الآخرين إلى إنسان يرد المظالم ويصنع الرحمة. النور الحقيقي يغير القلب لا المظهر فقط. وفي تاريخ الكنيسة نرى القديسة مريم المصرية، التي عاشت سنوات في ظلمة الخطية، لكن لحظة وقوفها أمام الصليب واستغاثتها بالعذراء كانت بداية نور جديد غيّر حياتها كلها.
+ مأساة رفض النور
يقول الإنجيل: { وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هذَا عَدَدُهَا، لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ}(يو ١٢: ٣٧). إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو تعود الظلمة. فالقلب الذي يرفض صوت الله مرات كثيرة يصير قاسيًا وغير حساس لعمل النعمة. وكما أن الضوء يضعف تدريجيًا عندما يُحجب باستمرار، هكذا القلب يظلم تدريجيًا عندما يقاوم التوبة. لذلك قال إشعياء: {قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ، وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ.} (يو ١٢: ٤٠).
الله لا يريد عمى أحد، لكنه يحترم حرية الإنسان. فالذي يرفض النور بإرادته يعتاد الظلمة حتى لا يعود يحتمل النور. وفرعون مثال واضح لذلك. ففي كل ضربة كان يرى يد الله، لكن قلبه ازداد قساوة، حتى انتهى إلى الهلاك. بينما اللص اليمين، في لحظات قليلة، فتح قلبه لنور المسيح المصلوب فدخل الفردوس. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: «الخطية ليست فقط سقوطًا لكنها أيضًا إطفاء للنور الداخلي».
+ الإيمان الخائف ومحبة مجد الناس يقول الإنجيل: { وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضًا، غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللهِ. }(يو ١٢: ٤٢، ٤٣). كم من أشخاص عرفوا الحق لكنهم خافوا من الناس! لقد كان نور المسيح يلمع داخلهم، لكن خوفهم من خسارة مكانتهم أطفأ شهادة الإيمان. لكن هناك من انتصروا على هذا الخوف مثل يوسف الرامي ونيقوديموس. ففي البداية كان نيقوديموس يأتي إلى يسوع ليلًا، أما بعد الصليب فأعلن محبته جهارًا، واشترك في تكفين الجسد الطاهر. النور الحقيقي يقود الإنسان من الخوف إلى الشهادة. يقول الأنبا أنطونيوس:
«من عرف الله لا يخاف البشر، لأن نور الله يطرد كل خوف». كثيرون اليوم قد يخجلون من حياة التوبة أو من إعلان إيمانهم وسط عالم يستهزئ بالروحيات، لكن المسيح يدعونا أن نحيا كأبناء نور مهما كانت الظلمة المحيطة.
+ الإيمان بالمسيح نور العالم
{ أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ.} (يو ١٢: ٤٦). هذه من أعظم إعلانات المسيح عن نفسه. فهو ليس مجرد معلم يشير إلى الطريق، بل هو الطريق والنور والحياة.
كما أن الشمس تعطي نورًا لكل إنسان دون تمييز، هكذا المسيح جاء لأجل خلاص الجميع. وقد رأينا هذا في تعامله مع المرأة السامرية. كانت تعيش في ظلمة الخطية والعطش الداخلي، لكن لقاءها بالمسيح حولها إلى كارزة تنادي أهل المدينة: { هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ}.النور الحقيقي لا يفضح الإنسان ليهلكه، بل يكشف جراحه لكي يشفيه. لذلك قال الرب: { وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ.} (يو ١٢: ٤٧) ويقول القديس إيريناؤس: «مجد الله هو الإنسان الحي، وحياة الإنسان هي رؤية الله».
فكلما اقترب الإنسان من المسيح، امتلأ حياة وسلامًا وفرحًا. وكلمة الله هي النور والدينونة {مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.} (يو ١٢: ٤٨). كلمة الله ليست مجرد حروف، بل نور يكشف القلب. فالذي يقبلها يخلص، والذي يرفضها يدين نفسه بنفسه. لقد كانت كلمة الرب نورًا لداود عندما وبخه ناثان النبي، فتاب وبكى وقال: «قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا الله». بينما سمع يهوذا نفس كلمات المسيح، ورأى نفس المعجزات، لكنه أغلق قلبه للنور فسقط في اليأس والهلاك. كما يقول مار إسحق السرياني:
«كلمة الله إذا دخلت القلب باتضاع تصير فيه ينبوع حياة». لذلك تهتم الكنيسة القبطية بقراءة الإنجيل يوميًا، لأن النفس بدون كلمة الله تشبه بيتًا مغلقًا بلا شمس.
+ كيف نحيا في نور المسيح؟
بالتوبة اليومية، فالتوبة تفتح نوافذ القلب للنور.
وبالصلاة القلبية لأنها لقاء حي مع المسيح. وبالاصغاء لصوت الروح القدس وكلام الإنجيل المقدس وطاعته، لأنه { سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي}. كما أن التناول بانسحاق وتواضع قلب وطهارة وبر يجعلنا نتحد بالمسيح نور العالم. وبأعمال المحبة، ينعكس علينا النور الحقيقي بحياة الرحمة والغفران. فالقديسون لم يكونوا بلا ضعف، لكنهم عاشوا دائمًا في النور الإلهي، لذلك استنارت حياتهم وصاروا بدورهم نورًا للآخرين.
+ يا ربنا يسوع المسيح، يا نور العالم الحقيقي، أنر ظلمة قلوبنا، وافتح عيون نفوسنا لكي نراك ونعرفك ونحبك. بدد من داخلنا ظلمة الخطية والكبرياء والخوف والشك واليأس، واجعلنا نسير في نور وصاياك كل أيام حياتنا. يا من فتحت عيني الأعمى، افتح أعين قلوبنا لنعاين مجدك، ويا من دعوت زكا ومريم المجدلية واللص اليمين إلى نورك العجيب، ادعُنا إلى حياة التوبة والقداسة. أعطنا ألا نطلب مجد الناس، بل أن نثبت في نورك ونشهد لك بلا خوف. اجعل كلامك حيًا في داخلنا، ينقي أفكارنا، ويقدس حواسنا، ويقودنا إلى الحياة الأبدية. أنر بيوتنا وكنيستك والعالم كله، وأعطِ سلامًا للمتعبين، وشفاء للمرضى ورجاءً لليائسين، وشفاءً للمنكسرين القلوب وأقم الساقطين وأجعل لنا نصيباً وميراثاً من القديسين الذين أرضوك، لك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

