دعوة إلهية مفتوحة للجميع
هذه ليست دعوة ونداء الحب الإلهي السيد المسيح لكل نفس متعبة، لم يقل تعالوا أيها الأبرار، بل قال: "يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال". المتعبين من الخطية أو المثقلين بالهموم والضيقات والمنكسرين من جراح الحياة يقول القديس أغسطينوس: "لقد خلقتنا لك يا رب، ولن تجد قلوبنا راحة إلا فيك." الراحة إذن ليست في تغيير الظروف، بل في اللقاء مع المسيح نفسه.
أولاً: كيف أراح الرب كثيرين؟
السيد المسيح لم يعطِ كلامًا فقط، بل أعطى راحة حقيقية عملية وملموسة:
- راحة للمجروحين نفسيًا
لقد دافع عن من سقطت في الخطية وغفر لها خطاياها ودعاها أن تذهب بسلام، والمرأة الخاطئة (لو ٧) التي جاءت باكية قَالَ لَهَا: {مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ.}(لو ٧: ٤٨). وزكا العشار حرره من محبة المال ودافع عنه { فَلَمَّا رَأَى الْجَمِيعُ ذلِكَ تَذَمَّرُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُل خَاطِئٍ». فَوَقَفَ زَكَّا وَقَالَ لِلرَّبِّ: «هَا أَنَا يَارَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ».} (لو ١٩: ٧-١٠).
- راحة للمرفوضين
المرأة السامرية (يو ٤) كانت تعيش في فراغ داخلي
لقد أعطاها "ماءً حيًا" فصارت كارزة.
- راحة للمتعبين جسديًا
المرضى والعميان والمفلوجون كان يلمسهم فيُشفى الجسد وتستريح النفس { فَجَاءَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، مَعَهُمْ عُرْجٌ وَعُمْيٌ وَخُرْسٌ وَشُلٌّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَطَرَحُوهُمْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ. فَشَفَاهُمْ. حَتَّى تَعَجَّبَ الْجُمُوعُ إِذْ رَأَوْا الْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ، وَالشُّلَّ يَصِحُّونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَالْعُمْيَ يُبْصِرُونَ. وَمَجَّدُوا إِلهَ إِسْرَائِيلَ.} (مت ١٥: ٣٠، ٣١)
- راحة للخائفين
التلاميذ في العاصفة عندما كان البحر هائج وهم في خوف وضيق أنقذهم وخلصهم { وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ! اِبْكَمْ!». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟»} (مر ٤: ٣٨-٤٠). يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "المسيح لا يرفع فقط الحمل، بل يغيّر القلب الذي يحمل الحمل."
ثانياً : كيف نأتي إلى المسيح؟
المجيء للمسيح ليس مجرد فكرة، بل حياة عملية:
- بالصلاة
نضع أثقالنا أمامه بصدق، لا بكلام محفوظ بل من القلب والروح وبإيمان في قدرته علي كل شئ.
- بالتوبة والاعتراف فنطرح خطايانا عند قدميه، فيرفعها عنا. ويحلنا من خطايانا ويقدم لنا الحلول لمشاكلنا.
- بالإفخارستيا عندما نتناول ونأخذ جسده ودمه، فنمتلئ راحة وسلامًا.
- بقراءة الإنجيل لأن كلمته تعزّي النفس وتُنير الطريق.{ لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ.} (عب ٤: ١٢). يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير:
"من يجلس مع الله في مخدعه، يجد راحة أكثر من كل العالم."
ثالثاً: احملوا نيري… ما هو نير المسيح؟
النير في الظاهر حمل، لكن المسيح يقول إنه هيّن وخفيف! نير المسيح هو وصاياه التي تخلصنا من ربط الخطية وتقوينا وتقودنا في الطريق السليم،
وحياة الاتضاع التي تريح الإنسان من التذمر وتعطيه قوة تحمل وصبر وتجعله محبوب ومحب فالمحبة طريق للراحة. لكن لماذا حمل المسيح خفيف؟ لأن المسيح يحمله معنا، بل عنا. يقول القديس كيرلس الكبير: "حينما نحمل نير المسيح، نجد أنه هو الذي يحملنا." السيد المسيح الوديع والمتواضع القلب هو سر الراحة الحقيقية، والراحة ليست في الهروب من المشاكل، بل في: التشبه بالمسيح الوديع المتواضع. المتكبر يتعب والقاسي القلب يضطرب أما الوديع فيجد سلامًا داخليًا يقول القديس إسحق السرياني: "تواضع القلب هو موضع راحة النفس."
رابعاً: اختبارنا العملي اليوم
لكي تختبر هذه الآية في حياتك: اذهب للمسيح كما أنت بتعبك، لا تنتظر حتى تحل المشاكل بل قل له بصدق: "يا رب أنا مثقل، احمل عني" واقبل وصيته بمحبة، لا بثقل وعيش في شركة دائمة معه فتجد أن الحمل حتى وأن لم يختفِ، لكن قلبك يتغيّر ويتسع وتحتمل وتفرح ويصير الحمل خفيف.
+ يا ربنا يسوع المسيح، يا من دعوت المتعبين لتريحهم، نأتي إليك بقلوب مثقلة، وهموم وخطايا وضعفات كثيرة. فاغفر خطايانا وأمحو ذنوبنا وطهر قلوبنا وأرحنا من اتعابنا. علّمنا أن نحمل نيرك، ونتعلّم منك الوداعة والتواضع، لكي نجد راحة لنفوسنا. ارفع عنا أثقالنا، غيّر قلوبنا. وقل للزوابع ان تهدأ وبحر العالم المضطرب من حولها أن يبكم ويسكت وامنحنا أن نحيا فيك ونختبر سلامك الذي يفوق كل عقل، لك المجد إلى الأبد. آمين.

