تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

يقول القديس بولس الرسول { اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ} (عب 13: 7). أنها دعوة روحية لنا لكي لا ننسى آبائنا ومرشدينا الذين تعبوا في خدمتنا ونتذكر تعاليمهم ونقتدى بإيمانهم وحياتهم. عشنا في الكنيسة القبطية عبر التاريخ حياة التلمذة والاقتداء بالآباء القديسين، لأن حياة الآباء ليست مجرد تاريخ بل إنجيل حي نراه في أشخاصهم ونقتدى بهم ونتعلم منهم كحياة إيمانيه معاشة يسلمها الأباء للابناء.

+ الرسول بولس يضع ثلاث وصايا واضحة: اذكروا مرشديكم، أي لا ننسى من تعبوا في تعليمنا وإرشادنا في الطريق الروحي. وننظر إلى نهاية سيرتهم أي نتأمل حياتهم كلها، أعمالهم وصلاتهم وجهادهم، وتواضعهم، وصبرهم حتى نهاية حياتهم. ونتمثل بإيمانهم. فالهدف ليس مجرد الإعجاب بالقديسين، بل الاقتداء بحياتهم. وكما يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: " لا يكفي أن نمدح القديسين، بل ينبغي أن نتمثل بايمانهم وسيرتهم."

+ نذكر في شهر مارس آباء عظماء تركوا لنا مثالاً حيًا بايمانهم وحياتهم وأقوالهم :-

أولاً: أبينا مثلث الرحمات الأنبا صرابامون أسقف دير الأنبا بيشوي الذي انتقل  ٨ مارس ٢٠٢٠م. هذا الأب المبارك الذي عاش حياة الرهبنة في زهد وتقوى كأب وراعي ومدبر روحي لدير القديس الأنبا بيشوى؛  عاش أبينا الأنبا صرابامون المحبة لله والإيمان الواثق بالمسيح والرجاء الحي بعمل الروح القدس في الكنيسة ومؤمنيها وفي صلاوات عميقة وارتباط بالكنيسة كأم روحية منذ صغره إلي يوم أنتقاله وكان محباً للصلاة الدائمة والقداسات والتسبحة في عشرة مع الله. جمع الأنبا صرابامون بين حكمة أباء البرية وطيبة القلب والوداعة وتميز بروح الأبوة الحكيمة وقدرته علي أحتواء وتشجيع ابنائه الروحيين وتنميتهم. كان يستقبل الناس بمحبة وهدوء، ويعطي الإرشاد الروحي في بساطة وعمق وأهتمام روحاني واستطاع أن يقود حركة تعمير رهباني وعمراني في الدير. وسعى أن يحافظ دير الأنبا بيشوي على روح الآباء مع اضافة الغرباء وكان يعمل علي تنميه رهبانه والذين تتلمذوا عليه في الإيمان والتواضع والعفة والطاعة والصلاة والهدوء وكان يكفينا النظر الي وجهه المملوء سلام وما من أحد جاء اليه متعباً الا وخرج وهو مستريح مطمئن حتى قال عنه المتنيح قداسة البابا شنودة الثالث انه يحق ان يكتب علي بابه في اقتدائه بالمسيح { تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.}(مت ١١: ٢٨). ثقلت حياته الروحية رهبنته الممتدة من ١٩٥٩م. حتى ٢٠٢٠م. وتلمذته لاباء كبار وخدمته كاسقف لدير الأنبا بيشوى من ١٩٧٣م. حتى ٨ مارس ٢٠٢٠م. فكان كمدرسة تتلمذ عليها اباء اساقفة وكهنة ورهبان وعلمانيين كثيرين وعلي يديه ترهب وتتلمذ قداسة البابا تواضروس الثاني- حفظه الله - كما احتضن وتلمذ العديد من الأباء المطارنة والاساقفة والكهنة والرهبان والخدام الذين يخدموا بمحبة وطهارة وبر. وكانت خدمة صامتة فلم يبحث يوماً عن محبة الظهور وكان لنا عظة بحياته وارشاده وحببنا في العمل الهادئ في الخفاء الذي أجره من الله، ننظر إلى نهاية سيرته فنراه إنسانًا عاش لله وللرهبنة وللكنيسة بصدق وأمانة ومن إيمانه الذي صنع المعجزات نتعلم ونتتلمذ دائماً.

ثانياً: البابا كيرلس السادس رجل الصلاة

يُعد البابا كيرلس السادس المنتقل للسماء في ٩ مارس ١٩٧١م. نموذج واضح لرجال الله القديسين والذي خدم جيله وكل الأجيال اللاحقه بطهارة وبر  كمرشد للكنيسة بحياته وصلاته وإرشاده الروحي للكنيسة. كان يقضي ساعات طويلة في التسبحة والقداس والصلاوات الدائمة. وتعلّم الشعب القبطي منه أن الصلاة تصنع المعجزات مع حفاظه علي الإيمان المستقيم الذي عاشه وسلمه لنا.

+ عاش البابا كيرلس السادس حياة الحكمة البسيطة في إيمان قوي. كان محباً  للقديسين لاسيما امنا القديسة مريم التي تجلت في عهده علي قباب كنيستها في الزيتون وكان محباً للقديس مارمرقس الرسول وأعاد رفاته المقدسة من إيطاليا بعد غياب احدى عشر قرن من الزمان. وكانت للقداسة البابا كيرلس السادس علاقة قوية ونادرة بالشهيد مارمينا العجايبي وأعاد إحياء دير مارمينا في محبة للقديسين كسحابة شهود محيطة بنا. وأقام البابا كيرلس علاقة أبوية قوية بالزعيم جمال عبد الناصر؛ وأثر ببره في جيله. في عهده المبارك بني وافتتح الكاتدرائية الرقسية بالعباسية وصنع نهضة روحية في الكنيسة رغم تميزه بالتواضع الكامل لذلك أحبّه الشعب لأنه كان صورة حية لرجل الصلاة الذي يفتح أبواب السماء والذي يشفع في شعبه وكنيسته في كل زمان.

ثالثاً: البابا شنودة الثالث

ترهب الاستاذ نظير جيد باسم الراهب أنطونيوس في دير السريان العامر في ١٨ يوليو ١٩٥٤م. ورسم اسقف للتعليم من البابا كيرلس في ١٩٦٢م. باسم الأنبا شنودة ثم أختير بطريرك في ١٤ نوفمير ١٩٧١م وقد أقام علي الكرسي المرسي ٤٠ سنة و٤ شهور و٣ أيام حتى ١٧ مارس ٢٠١٢م. وفي حبرية طويلة تميز عصره بنمو الكنيسة وازدهارها في مصر والمهجر واستطاع أن يقود الكنيسة كربان ماهر وسط ظروف صعبه. وإذا كان البابا كيرلس اشتهر كرجل الصلاة، فإن البابا شنودة تميز عهده بالتعلم الروحي واللإهوتي العميق وبإرشاده الروحي وتعليمه كتب عشرات الكتب في مختلف المجالات الروحية وصارت مرجعًا روحيًا للأجيال. واهتم بالتعليم والوعظ وانشاء الكليات اللإهوتية والايبراشيات الجديدة والكنائس والأديرة في مصر والمهجر ومن ثم رسامة الكثير من الرهبان والهكنة والمكرسين والخدام كما كان يفسّر الكتاب المقدس بطريقة بسيطة وعميقة.

+ قاد البابا شنودة الثالث الكنيسة في أوقات صعبة بحكمة وصبر. جمع بين الرهبنة والخدمة وبين حياة الراهب والتلميذ والمعلم. وبين الدقة والرقة وبين قوة المحبة والحكمة وسلاسة التعليم والسهر مع الله والافتقاد الدائم. لقد عمل بالوزنات التي منحها الله له فبنى وعمر وعمل وعلم بالصلاة والتعليم وترك لنا قداسة البابا شنودة أرث وتراث يخلده التاريخ لكل الأجيال.

+ حين نتأمل هؤلاء الآباء الثلاثة نجد أن الله أعطى الكنيسة نماذج مختلفة ومتكاملة: فالأنبا صرابامون مثال للأب الوديع والمدبر الهادئ ورجل الإيمان: وقداسة البابا كيرلس السادس مثال رجل الصلاة والمعجزات؛ وقداسة البابا شنودة الثالث مثال المعلم والراعي الحكيم. إن الأباء القديسين هم سحابة شهود محيطة بنا، تدعونا للأقتداء بهم ناظرين الي مخلصنا الصالح مثلهم { لِذلِكَ نَحْنُ أَيْضًا إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْل، وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا،  نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ} (عب ١٢: ١، ٢) نذكر فضل آباءنا وصلواتهم ونتعلم من حياتهم الروحية ونقتدي بإيمانهم وجهادهم ونعيش ما علّمونا إياه وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: "حياة القديسين هي إنجيل منظور."

+ إننا أذ نذكر جزء يسير من حياة أباء رحلوا في هذا الشهر كوفاء منا لهم. فليعطنا الرب أن نحيا بروح جهادهم وصلواتهم وحكمتهم وأبوتهم لكي تستمر الكنيسة دائمًا كنيسة قديسين وإيمان حي؛ أمين.

 ✍ صفحة مقالات أبونا إفرايم الأنبا بيشوي