آية يونان النبي
عندما طلب بعض الكتبة والفريسيين بمكر من السيد المسيح أن يصنع لهم آية ليجربوة رفض ذلك وقال لهم { حِينَئِذٍ أَجَابَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً». فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال.} (مت ١٢: ٣٨-٤٠). الرب صنع المعجزات الكثيرة شفقة وحنان ورحمة بالمحتاجين وليس لأبهار أو لأعجاب الناس أو للاستعراض؛ كان المسيح يجول يصنع خير كعمل إلهى هدفه خلاص الإنسان، ومن المعجزات العظيمة آية يونان النبي التى حملت رمزاً لدفن السيد المسيح وقيامته التى بها أعطانا الخلاص. فما نحتاجه لخلاصنا ليس هو المعجزة بل التأمل فى عمل المسيح الفدائى أى موته وقيامته. ونحتاج لتوبة كتوبة أهل نينوى التى تابت بمناداة يونان. لقد تمتّع أهل نينوى بيونان الكارز المنطلق من بطن الحوت، أمّا نحن فلنا خلاص المسيح العجيب القادر أن يطلقنا من أعماق الهاوية ويدخل بنا إلى ملكوته السماوى. نحن في حاجة فعلاً لتغيير القلب ليكون مملوء محبة لله فى تسليم كامل لمشيئة الله وقبول كل شىء منه بشكر وفرح.
+ قصة يونان النبي ليست مجرد حادثة تاريخية، بل عمل خلاصي فالحوت لم يكن أداة موت، بل رحم جديد، فيه مات يونان عن إرادته القديمة الرافضة لخلاص الأمم ليخرج إنسانًا جديدًا، ورسول كارز بالتوبة لأهل نينوى الذين تابوا بمناداته ونزل الي البحر كرمز الموت وأعد له الله حوت ليبتلعة كرمز للقبر وخرج في اليوم الثالث كرمز لموت وقيامة السيد المسيح وهكذا صار يونان آية حية تسبق وتشير لموت وقيامة السيد المسيح.
+ ️ آية السيد المسيح وعمله الخلاصي..
ما كان رمزًا في يونان النبي، صار حقيقة كاملة في السيد المسيح. وأن كان يونان النبي قد نزل في جوف الحوت بسبب عصيانه لكن السيد المسيح نزل بإرادته لبطن الأرض كما قال: { لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا.} (يو ١٠: ١٧، ١٨). لقد مات السيد المسيح من أجل خلاصنا محبة بنا { وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.} (يو ٣: ١٤-١٦). يونان ابتلعه حوت والسيد المسيح دخل القبر. ويونان خرج ليكرز بالتوبة أما المسيح له المجد فقام ليمنح الحياة الأبدية لكل من يؤمن به. كما️ يقول أحد الآباء إن" القبر صار مذبحًا، والموت صار معبرًا، والصليب صار باب للحياة" فقيامة السيد المسيح ليست حدثًا منفصلًا عن الموت، بل ثمرة الطاعة حتى الموت.
+ نحن وآية يونان والسيد المسيح
إن آية السيد المسيح ليس للتأمل فقط، بل لحياتنا الروحية وخلاصنا وكما يقول القديس بولس الرسول { أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ. كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. }(رو ٦: ٣-٥، ١١). وكما ان المعمودية هى موت الإنسان العتيق وقيامة مع المسيح لنسلك كخليقة جديدة في حياة مقدسة لله. إن الخطية هى موت روحى وهلاك وعلاجها يكون بالتوبة { لِذلِكَ يَقُولُ: «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ».} (أف ٥: ١٤). التوبة ليست تحسين سلوك بل هي دفن الإنسان العتيق وقيامة للإنسان الجديد في المسيح. كما دخل يونان الظلمة وخرج رسول نور، هكذا نحن نموت عن الخطيئة ونقوم بقوة القيامة كشهود للحياة الجديدة في المسيح لأعمال صالحة سبق الله فاعدها لنسلك فيها.
+ أهل نينوى وقبول التوبة
لقد خرج يونان النبي حياً من الحوت، لكن المعجزة لم تكتمل إلا عندما { آمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ، وَنَادَوْا بِصَوْمٍ} (يون 3: 5). وهنا يقول السيد المسيح
{ رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا!} ( مت ٤١:١٢). لقد آمن أهل نينوى بمناداة يونان ونحن علينا أن نؤمن بابن الله القائم من الموت لتبريرنا وليهبنا الحياة الأبدية. فالتوبة قيامة يومية؛ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: «كما لا يمكن للمسيح أن يبقى في القبر، لا ينبغي للنفس التائبة أن تبقى في اليأس». وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي: «المسيح بموتِه أبطل سلطان الموت، وبقيامته أعاد الإنسان إلى الحياة».
+ آية يونان النبي هى ظل ورمز للآية العظمي للسيد المسيح الذي دعانا للتوبة والإيمان بالإنجيل للخلاص والحياة الأبدية { مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ.} (رو ٣: ٢٤، ٢٥). توبتنا المثمرة وإيماننا العامل بالمحبة تقودنا للخلاص والحياة الجديدة في الرب لنكون شهود لإيماننا وكما خرج يونان من العمق، وكما قام المسيح من القبر، هكذا نحن مدعوين أن نخرج كل يوم من موت الخطيئة إلى حياة التوبة المثمرة والقداسة لنحيا مذاقة الملكوت ونعيش كاناس الله ونمسك بالحياة الأبدية التي اليها دُعينا كوصية القديس بولس الرسول { وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِنْسَانَ اللهِ فَاهْرُبْ مِنْ هذَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَةَ. جَاهِدْ جِهَادَ الإِيمَانِ الْحَسَنَ، وَأَمْسِكْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي إِلَيْهَا دُعِيتَ.} (١ تيم ٦: ١١، ١٢)؛ أمين.

