اولاً: سفر الرحمة الإلهية..
+ يقدم سفر يونان أيقونة حيّة لرحمة الله التي تسبق التوبة وتدعو لها وتحتضنها. فالله يطلب رجوع الإنسان اليه، ويكشف لنا عن قلبه الأبوي الذي { لا يُسَرّ بموت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا} (حز 33: 11). نرى الله يسعى وراء النبي الهارب، ويتراءف على نينوى ويدعونا للتوبة لننهل من مراحمه وننال غفران خطايانا.
+ هروب يونان ليس مجرد عصيان، بل صورة لقلب ينغلق ولا يريد توبة الآخرين. ومع ذلك، لم يتخلّى الله عنه وجعله آية لأهل نينوى وسبب لتوبتهم وجعلهم يقوموا في يوم الدين ليدينوا من لم يتوبوا بمناداة المسيح بالتوبة { رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا!} (مت ١٢: ٤١). وجعل الله يونان النبي رمزا ومثال له في موته وقيامته {وَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. }(مت ١٢: ٣٩، ٤٠)
+ في سفر يونان نرى الله يستخدم حتى الريح العاصفة والحوت والشمس واليقطينة والدودة، كأدوات خلاص لا عقاب. وفي عمق الظلمة يصرخ يونان، فتولد صلاة التوبة: { دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ فَاسْتَجَابَ لِي} (يون 2: 2). التوبة هنا ليست كلمات، بل هي أقلاع عن الخطية ورجوع إلي الله وطلب مراحمه وسعى للتغير وطاعة الله وعمل وصاياه.
ثانياً: توبة جماعية تُغيِّر المصير ...
أعجوبة سفر يونان ليست يونان في بطن الحوت فقط كرمز لموت المسيح وقيامته بل توبة مدينة عظيمة بكاملها الي الله من الملك والعظماء، الي الشعب، وحتى الحيوانات، في مشهد اتضاع وإيمان شامل { فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ. وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى، فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ، وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ. وَنُودِيَ وَقِيلَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ قَائِلاً: «لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئًا. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً. وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ، وَيَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ، وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ». (يون ٣: ٥-٩). أنها التوبة التي تنال الرحمة والقبول من الله { فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمُ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَنِ الشَّرِّ} (يون 3: 10). هنا تعلّمنا الكنيسة أن الأعمال ثمرة التوبة، وأن الله ينظر إلى القلب التائب والراجع اليه.
ثالثاً: شهادة المسيح لسفر يونان ..
يشهد ربنا يسوع المسيح للسفر شهادة صريحة، رابطًا بين يونان والفداء { كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْض} (مت 12: 40). فالحوت يصير رمز للقبر، وخروج يونان رمز القيامة. وهكذا تصبح التوبة طريق العبور من الموت إلى الحياة.
+ سعى الله لخلاصنا ...
يُظهِر السفر سعى الله لخلاص كل أحد وقلب الله الآبوي { تَرَاءَى لِي الرَّبُّ مِنْ بَعِيدٍ: «وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ.} (إر ٣١: ٣). ونرى سعى الله لخلاص يونان النبي حتى في عمق مخالفته وهروبه من وجه الرب. وسعى الله لخلاص البحارة علي ظهر السفينة، وسعيه لخلاص أهل نينوى دون أن يطلبوا يرسل لهم يونان ليكون عبرة وآية ليقبل الله توبتهم ويرحمهم. لقد أغتاظ يونان لرحمة الله لأهل نينوي وردّ الرب علي يونان بسؤال يخترق القلب: { فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنْتَ شَفِقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلاَ رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ. أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟. }(يون ٤: ١٠، ١١).
فلنعمل ونحرص يا أحبائي علي خلاصنا ومن معنا وحولنا ولا نتراخى او نهمل أو نتكاسلبل نسرع للرجوع الي الله وصنع ثمار تليق بالتوبة لنفرح ألله وملائكته وقديسيه.

