تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

تحتلّ سيرة القديس الأنبا أنطونيوس مكانة فريدة في التراث الروحي القبطي، ليس فقط لأنه أب لكل الرهبان، بل لأنه قدّم للكنيسة نموذجًا حيًا لإنسان مسيحي عاش الإنجيل بكل جوارحه وصار قدوة حسنة ومثال يحتذى به في كل جيل لمحبة الله والكنيسة وخدمتها. وقد وصلت إلينا سيرته من مصدرين أساسيين هما رسائله التي تكشف أعماق اختباره وكتاب القديس اثناسيوس الرسولي عن حياة الأنبا انطونيوس.

أولًا: الأنبا أنطونيوس كما تكشفه رسائله

رسائل الأنبا أنطونيوس ليست تعاليم نظرية، بل خبرة معاشة خرجت من عمق الجهاد. يركّز فيها على معرفة النفس ويبدأ الطريق الروحي عنده بمعرفة الإنسان لضعفه، لأن “من عرف نفسه، عرف الله”. فالاتضاع هو باب النعمة. ويعلم أن الحرب والتجارب الروحية ليست علامة ترك من الله، بل سماح من الله للتذكية. ويؤكد أن التمييز أو الأفراز أهم من كل نسك، إذ به يفرّق الإنسان بين صوت الله وخداع العدو. فالله لا يُدرك بكثرة الكلام، بل بنقاوة القلب الهادئ. لذلك يربط الصلاة بالصمت الداخلي ونقاوة الفكر. كما أن المحبة قمة الجهاد. فأى نسك لا يقود إلى المحبة هو ناقص لأن المحبة هي ثمرة الروح وعلامة الشركة الحقيقية مع الله.

ثانيًا: كتاب القديس أثناسيوس عن الأنبا انطونيوس يقدم صورة متكاملة للقديس، لا كأسطورة بل كقدوة ومثال في الجهاد الروحي وعمل نعمة الله في حياة المؤمن.

+  الإنجيل المعاش والأختبار الحي..

حين سمع قول الرب: { إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي. }(مت ١٩: ٢١). حوّل الأنبا انطونيوس الكلمة فورًا إلى حياة. هنا يظهر الطابع الكنسي المسيحي فالإنجيل هو رسالة الله يُعاش ويختبر المؤمن عمله داخله بالإيمان؛ كما أن البرية مدرسة للقداسة؛ فلم تكن البرية هروبًا من العالم، بل دخولًا إلى طريق الكمال وموضع لتجلّي نعمة الله وهزيمة لقوات الظلمة.

+ الرجل الكنسي..

رغم وحدته وحياته في الصحراء، بقي أنطونيوس في قلب الكنيسة يدعم المعترفين، ويساند الإيمان ضد الأريوسية، ويشهد للمسيح علنًا دون أن يفقد روح الوداعة.

+ قديس للكل...

التف حول الأنبا انطونيوس الرهبان والعلمانيون، لأن قداسته كانت بسيطة ومشجّعة، تُعلن أن القداسة ممكنة لكل من يحب الله بصدق.

ثالثًا:  الأنبا أنطونيوس في فكر الكنيسة ...

تنظر الكنيسة القبطية إلى الأنبا أنطونيوس باعتباره

أيقونة للإنسان الروحي الذي عاش في الجسد، لكنه سبق الملائكة في النقاوة. وهو الذي جمع بين النسك والحكمة، بين الوحدة والخدمة. وهو أب للكل وقديس للكنيسة كلها؛ فتعليمه لا يخص الرهبان فقط، بل كل مؤمن يسعى لحياة التوبة والصلاة. فالقداسة في المفهوم القبطي ليست بعد او أنعزال عن الواقع الكنسي بل سعى نحو الكمال المسيحي تحت قيادة الروح القدس في جهاد روحي يثمر محبة وسلام وفرح ويشهد لله بالعمل والقول؛ وعبادة بالروح والحق ؛ كخميرة مقدسة تخمير العجين كله وتؤثر في العالم كله.

إن قراءة رسائل الأنبا أنطونيوس وسيرته كما كتبها القديس أثناسيوس، تكشف لنا أن الطريق إلى الله ليس صعباً بل يحتاج الي قلب بسيط، توبة نفس صادقة، صلاة أمينة، ومحبة لا تطلب ما لنفسها. هكذا صار القديس الأنبا أنطونيوس نورًا للبرية، ومرشدًا للكنيسة.

 ✍ صفحة مقالات أبونا إفرايم الأنبا بيشوي