+ استخدم السيد المسيح الامثال كجزء مهم في تعاليمه، والأمثال عبارة عن قصص قصيرة مستوحاة من البيئة البدوية او الزراعية أو البحرية أو المعاملات بين الناس أو من الطبيعة من حولنا ومن الطيور والنباتات، او من من السماء من فوقنا وتعتمد الأمثال علي التشبيهات البسيطة والصور لتوضيح غايات معينة، بحيث تساعد حبكة المثل في فهم الحقائق الروحية. إن موضوعات الأمثال لم تكن غريبة عن الوسط الذي عاش فيه السيد المسيح وسامعيه لكن كيفية توظيفها فهذا ما برع فيه السيد المسيح ومنها ينهل المفسرين ويتعلم البسطاء والمتعمقين.
+ لم تكن الأمثال مجرد قصص رمزية أو وسائل تعليمية مبسطة، بل إعلان حيّ لسر ملكوت الله، وصورة عملية لكيفية عيش الإنسان في حضرة الله وفي علاقته بالآخرين. فقد استخدم الرب الأمثال ليخاطب القلب والضمير، لا العقل فقط، وليقود السامعين من المشهد الأرضي المألوف إلى الحقائق السماوية العميقة. والكنيسة تنظر إلى أمثال المسيح باعتبارها كلمات حياة، ودواءً للنفس، وطريقًا للتوبة والنمو الروحي، لا مجرد مادة للتأمل الفكري أو المعرفة اللاهوتية المجردة. الأمثال هي مدرسة روحية تُشكِّل الضمير، وتُنقّي القلب، وتوجّه الإرادة نحو الملكوت. وقد أعلن السيد المسيح بنفسه هدف الأمثال قائلاً: { لِأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لِأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ}(مت 13: 11).
+ الأهداف الروحية لدراسة أمثال السيد المسيح
١- اكتشاف أسرار ملكوت الله
الأمثال تكشف طبيعة الملكوت: كيف يبدأ صغيرًا وينمو (مثل حبة الخردل)، وكيف يعمل في الخفاء (مثل الخميرة)، وكيف يستحق أن يُترك كل شيء لأجله (مثل الكنز المخفى).
٢- توبة القلب وتجديد الذهن
كثير من الأمثال موجَّه لإيقاظ الضمير ودعوة الإنسان للرجوع إلى الله، مثل الابن الضال، والفريسي والعشار، والكرامين الأشرار.
٣- تشكيل السلوك المسيحي العملي
الأمثال تعلّمنا الرحمة، الغفران، الاتضاع، الأمانة، السهر، ومحبة القريب، كما في مثل السامري الصالح، والوزنات، والعذارى الحكيمات.
٤- التمييز الروحي وفهم الذات
الأمثال تكشف أعماق النفس البشرية: القلب المنقسم، السطحية الروحية، الأنانية، ومحبة المال، كما في مثل الزارع أو الغني الغبي.
٥- الاستعداد للقاء الله والدينونة
كثير من الأمثال تحمل بُعد أخروي، يدعو الإنسان للسهر والاستعداد، مثل العذارى ومثل الدينونة في متى 25.
+ أمثال المسيح في فكر الآباء القديسين
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم «المسيح لم يستخدم الأمثال ليُخفي الحق، بل ليقوده إلى القلب في صورة لا تُنسى، حتى يبقى التعليم حيًّا في النفس.» ويرى أن الأمثال تُدين السامع إن لم يعمل بها، لأنها تُخاطب الضمير مباشرة.
ويري القديس كيرلس الكبير ان كل مثل يحمل بعداً مسياني روحي يتصل بالخلاص «الأمثال هي لباس الحق الإلهي، يلبسه الكلمة حتى يُدركه الضعفاء دون أن يفقد عمقه.»
+ إن الفهم الحقيقي لأمثال السيد المسيح هو ما يقود إلى حياة مقدسة وكمنهج حياة لا يُدرس بمعزل عن التوبة والصلاة والاسرار المقدسة والحياة النسكية فهى دعوة شخصية لكل منا ليعرف هل هو يسمع ويرفض أو يطيع او يختبر نعمة الله العاملة فينا، وننمو يومًا بعد يوم في صورة المسيح.
+ إن دراسة أمثال السيد المسيح، بحسب فكر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، هي دخول إلى مدرسة السماء، حيث الله الكلمة يعلّم، والروح القدس يفسّر، والحياة تشهد. إنها ليست مجرد دراسة كتابية، بل دعوة لتجديد الفكر، وتطهير القلب، وسلوك طريق الملكوت عمليًا.
+ ان مجموع الأمثال قد يصل الي ما يذيد عن ستون مثالاً ومنها أمثال ذكرت في الإناجيل الإزائية الثلاثة متى ومرقس ولوقا ، ومنها ما ذكر لأحد البشيرين دون الأخر ومنها امثال عن ملكوت الله ونموه وانتشاره وعمومية دعوة الرب او التوبة والرجوع لله او عن الدينونة والمستقبل، ومنها ما هو عن محبة الله والقريب وعمل الرحمة وقد تأتي الأمثال كرد علي سؤال وجّه للسيد المسيح كما في رد السيد المسيح علي بطرس الرسول عن كم مرة يخطئ اليَّ أخي وأنا اغفر له فاجابه الرب بمثل المديونان( لو٢١:١٨-٣٥). ومنها ما اتي متتالي في عظة واحدة كما في ( مت١٣). وبعض الأمثال جاء متمماً لما جاء في العهد القديم كمثل الكرم في ( أش ٥). وعن المزارعين القتلة في ( مت ٣٣-٢١- ٤١) والمثلين يشيرا الي رفض اليهود وقادتهم للأنبياء. وبعض الأمثال جاء يشير الي عمومية دعوة المسيح لكل الأمم كالفعلة في الكرم (مت ١:٢٠-١٦). بعض الأمثال تحثنا علي أقتناء الحكمة والسلوك بتدقيق وأمانة كثمل الوزنات والأمناء والوكيل الظالم وبعض الأمثال كمثل العذاري والوزنات هدفها الاستعداد للمجئ الثاني والدينونة والحساب. الأمثال تشرح بوضوح رحمة الله ودعوتة للتوبة كما في ( لو ١٥) وفي مثل السامرى الصالح يعلن السيد المسيح أخوة البشر جميعا فكل إنسان هو أخي لاسيما المحتاج لمعونتي بغض النظر عن ديانته وعرقة وجنسه، وفي مثل الوزنات يبين لنا الرب أنه علينا ان ننمي ونستثمر وزنات ونربح بها لحساب الملكوت.
+ ايها الرب الهنا الداعي الكل الي الخلاص، يا من في محبته اقترب الينا وعلمنا بالقدوة والامثال والاعمال لكي نعرفه ونتبعه بكل قلوبنا، أفتح اذهان قلوبنا لنعرفك ونحبك ونتبعك في كل حال.
ترأف علينا في بعدنا وردنا اليك كما يسعى الراعي الصالح في طلب الخروف الضال، وكأب محب ردنا الي خلاصك وأسترد المطرود وأجبر الكسير وأشفي المرضى والمجروحين وكن لنا قائد وراعي يعلم ويرعي ويخلص في كل الأحوال، فنحن شعبك وليس لنا آخر سواك، أسمك القدوس هو الذي نرجوه، فلتحينا نفوسنا بروحك القدوس ولا يقوى علينا موت الخطية بل بمحبتك نحيا في محبة وسلام ونرث الحياة الأبدية، أمين.

