أولاً الأمثال وتداولها بين الشعوب
+ المثل هو قصة قصيرة أو موجزة للعبرة والتعلم والموعظة وترسخ في الذهن لما فيها من معاني يستفاد منها من يتأمل فيها وتوصل هدفها للسامع والقارئ. وفي الأمثال من التشبيهات والأستعارة من الحياة والتعاملات اليومية ومن الطبيعة وتختلف الأمثال باختلاف الشعوب والحضارات فهي تجسد ثقافة وأفكار وعادات وتقاليد الشعوب، الإ انها تتميز بسرعة الأنتشار والتداول بين الناس لما فيها من وصف وأيجاز وهدف. والامثال فيها حقائق ناتجة عن تجربة وفيها معاني روحية او أخلاقية او تربوية وقد أدرك القدماء قيمة الأمثال فجمعوها في كتب للأمثال واستخدمت لتقريب وتوضيح المفاهيم وانتقلت من جيل لجيل لتلخص الخبرة الإنسانية وتضع معايير للسلوك وتقرب الفكرة الي أذهان الناس وتقدم مادة دسمة للفكر والتأمل والتعلم والموعظة والنصيحة.
+ ومنذ فجر التاريخ، لجأت الشعوب إلى الأمثال كوسيلة بسيطة وعميقة لنقل الخبرة الإنسانية عبر الأجيال. فالمثل ليس مجرد جملة موجزة، بل هو خلاصة تجربة، وذاكرة جماعية، وحكمة مُكثَّفة صاغتها الحياة اليومية. والأمثال تنبع من الواقع، من الحقول، والبيوت، والأسواق، والعلاقات الإنسانية، ولذلك فهي قريبة إلى القلب وسهلة الحفظ، لكنها في الوقت نفسه تحمل معاني عميقة تتجاوز الكلمات.
لهذا صارت الأمثال مرآة لقيم المجتمع وأخلاقياته وأداة تربوية تُعلِّم دون وعظ مباشر ووسيلة لفهم الحياة واتخاذ القرار وهي لغة مشتركة بين الحكيم والبسيط، بين الكبير والصغير. ومن هنا نفهم لماذا استخدم الله والأنبياء الأمثال فهي اللغة التي يفهمها الإنسان دون تعقيد، والتي تخاطب العقل والقلب معًا.
ثانيا: الأهداف العملية والروحية للأمثال
للأمثال أهداف واضحة في حياة الإنسان، سواء على المستوى الإنساني العام أو الروحي الإيماني، ومن أهمها:
١- التعليم غير المباشر
المثل لا يفرض الحقيقة، بل يقدّمها في صورة قصة أو تشبيه، فيترك للسامع فرصة التفكير والاكتشاف، فيتعلّم بإرادته لا بالإكراه.
٢- إيقاظ الضمير والقلب
المثل يتجاوز العقل إلى الضمير، فيكشف الخطأ دون إدانة مباشرة، ويقود الإنسان إلى مراجعة ذاته.
٣- تثبيت الحق في الذاكرة
لأن المثل يعتمد على الصورة والحدث، فهو يثبت في الذاكرة أكثر من الكلام النظري، ويظل حاضرًا وقت الحاجة.
٤- ربط الإيمان بالحياة اليومية
الأمثال تجعل القيم الروحية ملموسة: الإيمان، الأمانة، الحكمة، التواضع، الرحمة… كلها تُقدَّم من خلال صور حياتية بسيطة.
٥- تمييز القلوب
ليس كل من يسمع المثل يفهمه بنفس الدرجة؛ فالمثل يكشف حالة القلب: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ».
ثالثًا: الأمثال في العهد القديم
لم تكن أمثال السيد المسيح غريبة عن الذهنية الكتابية، بل جاءت امتدادًا طبيعيًا لتقليد روحي عميق في العهد القديم.
+ سفر الأمثال: يُعد سفر الأمثال أوضح مثال على استخدام المثل كأداة تربوية روحية، حيث نقرأ:
{ لِمَعْرِفَةِ الْحِكْمَةِ وَالأَدَبِ، لِفَهْمِ أَقْوَالِ الْفِطْنَةِ}(أم 1: 2). الهدف هنا ليس المعرفة الذهنية، بل تكوين الإنسان الحكيم الذي يخاف الله ويسلك بالاستقامة.
+ الأمثال النبوية: استخدم الأنبياء الأمثال والقصص الرمزية لتوبيخ الشعب أو إيقاظه، مثل: مثل ناثان النبي لداود عن الخراف وأمثال حزقيال وإشعياء عن الكرم والراعي والشعب وكان الهدف دائمًا: إعلان الحق، وفضح الخطية، وفتح باب التوبة. فالمثل كلغة إلهية يخاطب الله بها الإنسان بلغته، مستخدمًا الرمز والتشبيه، لأن القلب القاسي لا يحتمل الحقيقة المجردة، أما المثل فيفتح باب الفهم تدريجيًا.
رابعًا: أمثال السيد المسيح
عندما جاء السيد المسيح استخدم الأمثال ورفعها إلى ذروتها فامثال السيد المسيح خرجت من نفس التربة: الزرع، الحقل، البيت، الصيد، التجارة لكنها حملت إعلانًا جديدًا عن ملكوت الله ولم تعد مجرد حكمة أخلاقية، بل دعوة للحياة الجديدة والخلاص لذلك يمكن القول أن أمثال العهد القديم تُهيِّئ العقل وأمثال السيد المسيح تكشف القلب والأثنان يقودان الإنسان إلى الله. ودراسة أمثال السيد المسيح ليست دراسة فكرية فقط، بل رحلة روحية، تحتاج إلى قلب متضع وعقل منفتح واستعداد للتوبة والتغيير لأن المثل ليس قصة تُحكى، بل مرآة نرى فيها أنفسنا، هل نحن الزارع؟ أم الأرض؟ هل نحن السامعين؟ أم الرافضين؟ وهل نطلب الملكوت؟ أم نكتفي بالشكل؟
+ إن الأمثال هي لغة الله الحنونة مع الإنسان، لغة لا تُدين بل تُنير، لا تُعقِّد بل تُبسِّط، لا تُغلق بل تفتح أبواب الفهم. ومن خلال هذا المدخل، نستعد أن نقترب من أمثال السيد المسيح لا كدارسين فقط، بل كأبناء نتعلّم كيف نعيش الإنجيل في تفاصيل حياتنا اليومية.
+ اليك أيها الآب القدوس نصلي ونطلب ان تهذب نفوسنا وتقودنا بروحك القدوس لنتعلم من أمثالك وحكمتك ومحبتك الأبوية وقياتك الأمينة ونعمتك الغنية لنسلك كما يحق للدعوة التي دُعينا اليها. هبنا أن ننمو في المحبة ونتقوى في الإيمان ونثبت في الرجاء ونثمر ويدوم ثمرنا لمجد أسمك القدوس، أمين.

