النفس البشرية، جوهر الإنسان الداخلي، وموضع الفكر والعاطفة والإرادة. والإنسان مدعو للدخول في علاقة وشركة حب مع الله ومع الآخرين فلقد خُلق الله الإنسان على صورته ومثاله ليكون في محبة مع الله ومع غيره. ويتعاون مع غيره من أجل بناء مجتمع سليم يقوم كل مواطن فيه بدوره. علينا أن نعرف النفس وميولها ودوافعها واهدافنا لكي ننمو وننجح .
اولاً: النفس البشرية في الكتاب وفكر الآباء
+ النفس والعلاقات.. الإنسان كائن اجتماعي بطبعه يميل لاقامة علاقات مع الله والغير ليحيا إنسانيته ويكون له رسالة تتكامل مع الأخرين ويكون محباً ومحبوباً فاننا مدعوين لحياة الشركة: { وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ».} (تك ٢: ١٨). فالعلاقة مع الغير تسند وتقوى وتعين { اِثْنَانِ خَيْرٌ مِنْ وَاحِدٍ، لأَنَّ لَهُمَا أُجْرَةً لِتَعَبِهِمَا صَالِحَةً. لأَنَّهُ إِنْ وَقَعَ أَحَدُهُمَا يُقِيمُهُ رَفِيقُهُ. وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ إِنْ وَقَعَ، إِذْ لَيْسَ ثَانٍ لِيُقِيمَهُ.} (جا ٤: ٩، ١٠). المحبة تعطى قيمة للحياة وهي غاية الناموس والوصايا: { تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ… وَتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت 22: 37–39). وان كان السقوط قد ادخل الإنسان في الصراع مع نفسه والغير فان العلاقات الإنسانية تحتاج للشفاء بالنعمة والمحبة. ولقد اوصانا السيد المسيح بالمحبة { وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ». }(يو ١٣: ٣٤، ٣٥). ووضع لنا السيد المسيح مقياس عميق للمحبة { لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ. أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ. }(يو ١٥: ١٣، ١٤)
+ النفس والعلاقات في فكر الآباء
- القديس أغسطينوس: "خلقتنا لك يا رب، وقلوبنا لن تجد راحتها إلا فيك". إن اتحاد النفس بالله هو الأساس لسلامها ونمو ونجاح علاقاتها.
- القديس باسيليوس الكبير: اعتبر أن الصداقة الروحية عطية إلهية تنمّي النفس وتثبّت المؤمن في المحبة (رسالة عن الصداقة).
- القديس يوحنا الذهبي الفم: يرى أن الشركة الإفخارستية يجب أن تمتد إلى شركة المحبة بين المؤمنين، وإلا تصير العبادة ناقصة (العظة على متى 50:3).
- القديس أنطونيوس الكبير: شدد على أن معرفة النفس شرط لمعرفة الله والآخرين ويقول "من يعرف ذاته يعرف الله".
ثانياً: منظور علم النفس المسيحي
- يرى فيكتور فرانكل وهو من رواد العلاج بالمعنى أن الإنسان لا يشفى إلا حين يجد معنىً لحياته، والمعنى الأعمق يتجلى في الانفتاح على الله والآخرين.
- اما بول فيتس يؤكد أن علم النفس الإنساني لا يكتمل إلا إذا تأسس على البعد الروحي المسيحي الذي يحرر الإنسان من المركزية الذاتية.
- ويشير علم النفس الإيجابي المسيحي إلى أن الغفران، والمحبة غير المشروطة، والعطاء، هي ممارسات روحية ونفسية تشفي العلاقات وتبني الصحة النفسية.
ثالثاً: كيف ننمّي النفس والعلاقات الإنسانية؟
- على المستوى الروحي
- المواظبة على الصلاة والكتاب المقدس (مز 119: 105).
- ممارسة الأسرار، خاصة التوبة والإفخارستيا، لتقديس العلاقات.
- نعيش علي مستوى الوصية لاسيما التسامح والغفران: "اغْفِرُوا يَغْفِرْ لَكُمْ" (لو 6: 37).
- على المستوى النفسي
- تنمية الوعي بالذات (self-awareness) وفق منظور آبائي: "افحص نفسك كل يوم" (القديس يوحنا كاسيان، المؤسسات).
- تدريب النفس على الإصغاء والحوار البنّاء.
- ضبط الانفعالات بروح الوداعة (غلا 5: 23).
- على المستوى الاجتماعي
- تكوين صداقات روحية قائمة على الإيمان والمحبة.
- خدمة الآخرين كطريق للنضوج النفسي والروحي
- تعزيز ثقافة الحوار وقبول الأخر والتعاون بدل الانقسام والخصام.
+ النفس البشرية بطبيعتها اجتماعية، والإنسان مخلوق للمحبة والشركة. وفي الكتاب المقدس نجد أساس هذا البعد، وفي فكر الآباء نلمس دعوة مستمرة إلى تنقية النفس من الأنانية لبناء علاقات محبة. أما علم النفس المسيحي فيوضح أن الصحة النفسية لا تنفصل عن الصحة الروحية وعلينا ان نسعى لعلاقة روحية قوية وسليمة مع الله تنمي النفس وتثبتها في المسيح لتنمو وتثمر. الله محبة، ومنه وبالثقة والأتكال عليه نستمد القدرة على عيش علاقات سليمة ونامية مع الجميع.
+ أننا نصلي ليعطينا الله حكمة ونعمة لنحيا في توبة دائمة ومثمرة تنقي وتنمي علاقتنا به فنعرفه ونثبت فيه ونحبه من كل القلب ومن محبته نقدر من حولنا ونتعاون معهم من أجل الخير والسلام ولخلاص أنفسنا ومن نتعامل معهم، أمين.
المراجع
- الكتاب المقدس
- أغسطينوس: الاعترافات.
- باسيليوس الكبير: رسالة عن الصداقة.
- يوحنا الذهبي الفم: العظات على إنجيل متى.
- أنطونيوس الكبير: أقوال آباء البرية.
- يوحنا كاسيان: المؤسسات.
- Viktor Frankl, Man’s Search for Meaning.
- Paul Vitz, Psychology as Religion: The Cult of Self-Worship.
- Robert Enright, Forgiveness Therapy.

