تُعدّ الإدانة من الممارسات الخطرة التي يقع فيها الإنسان ضد أخيه، إذ تتناقض مع روح المحبة والرحمة التي يدعو إليها الإنجيل، وتعيق النمو الروحي والشركة مع الله. فالإدانة ليست مجرد نقد سطحي أو تقييم للأفعال، بل هي موقف داخلي متكبّر يضع الإنسان في موضع القاضي للآخرين. لذلك أهتم الكتاب المقدس وآباء الكنيسة وعلماء النفس بمعالجة هذه الظاهرة لما لها من آثار مدمّرة على الفرد والمجتمع.
أولاً: الإدانة في الكتاب المقدس
+ علمنا السيد المسيح ان لا ندين وقال { لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم}(مت 7: 1-2). بهذا يضع المسيح الإدانة في موضع الخطيئة التي ترتدّ على صاحبها، مؤكداً أن الحكم على الآخرين هو اختصاص الله وحده، ولهذا قال الكتاب { لاَ يَزْدَرِ مَنْ يَأْكُلُ بِمَنْ لاَ يَأْكُلُ، وَلاَ يَدِنْ مَنْ لاَ يَأْكُلُ مَنْ يَأْكُلُ، لأَنَّ اللهَ قَبِلَهُ. مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ. وَأَمَّا أَنْتَ، فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، فَإِذًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا ِللهِ. }(رو ١٤: ٣، ٤، ١٠، ١٢).
فبالادانة ينصب الأنسان نفسه قاضيا ودياناً علي الغير عوضاً عن الله الحاكم العادل ويغتصب الحكم من الله لهذا يقول الكتاب {لِذلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ، كُلُّ مَنْ يَدِينُ. لأَنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ. لأَنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا! وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ. أَفَتَظُنُّ هذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا، أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ؟ أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟ وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ، الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. }(رو ٢: ١-٦). إن الإدانة تُضعف المحبة وتزرع الانقسام داخل الجماعة.
ثانياً: الادانة في فكر وحياة القديسين
- يحذر القديس الأنبا أنطونيوس من الأدانه ويقول " من يراقب خطايا الآخرين ولا ينتبه إلي ضعفه، يشبه من يترك جثة ميت في بيته ويذهب ليبكى ميت غيره".
- ويروى عن القديس مقاريوس الكبير انه عندما كان يقال له عن خطايا الإخوة فكان يردّ" أنا نفسي أخطئ كل يوم فكيف ادين غيرى؟"
- القديس يوحنا ذهبي الفم يقول: "الإدانة هي خطية مزدوجة، لأنك تضع نفسك موضع الله، وتجرح أخاك بكلامك."
- اقيم مجمع للحكم علي أحد الأخوة في زمن القوى الأنبا موسى وارسلوا في طلبه للحضور ولما علم بالموضوع حمل كيس من الخيش مملؤ بالرمل ومثقوب من أسفله وعندما أتي إلي المجمع وسألوه لماذا فعل هكذا قال لهم هذه خطاياي تنسكب من خلفي وها أنا احضر لأدين أخي، فسامحوا الأخ المذنب فتاب عن خطيته.
- في بستان الرهبان، قيل عن أحد الآباء أنه رأى أخًا يسقط في خطية، فبكى وقال: "اليوم سقط هو، وغداً أسقط أنا." هذه الخبرات تكشف أن القداسة لا تُبنى على مراقبة عثرات الآخرين بل على التواضع والرحمة.
ثالثاً: الإدانة في علم النفس
- يربط علماء النفس بين الإدانة والشعور بالنقص؛ فالذي يدين غيره غالبًا ما يُسقط ضعفاته على الآخرين .
- الإدانة المستمرة تؤدي إلى القلق، العصابية، واضطراب العلاقات الاجتماعية، لأنها تنشئ بيئة نقدية سلبية تقلل من الثقة بالنفس والآخرين.
- يشير "كارل يونغ" إلى أن ما ندينه في الآخرين غالبًا ما يعكس ما نخاف مواجهته في ذواتنا.
رابعاً: الإدانة في المجتمع
- الإدانة تولّد التمييز والظلم الاجتماعي، لأنها تزرع الانقسام بين الناس.
- المجتمعات التي يسود فيها النقد الجارح تفقد روح التعاون والتسامح، ويشيع فيها الإقصاء والتعصّب.
- بينما المجتمعات التي تتبنى مبدأ قبول الآخر تنمو في الاستقرار والإبداع.
خامساً: علاج الإدانة والتخلّص منها
+ التوبة اليومية وفحص الذات أمام الله والأعتراف بضعفنا امام الله والتماس الأعذار للأخرين{ فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ.} (أع ٣: ١٩)
+ الصلاة من أجل الآخرين بدلاً من إدانتهم { لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ هكَذَا.} (لو ٦: ٢٧، ٢٨، ٣١)
+ ممارسة المحبة العملية التي تستر الخطايا وتشجع صغار النفوس { وَلكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا. (١ بط ٤: ٨).
+ تدريب عملي أوصى به القديس باسيليوس: "اصمت عن خطايا الآخرين، تكلم عن فضائلهم، وانشغل بخطاياك."
+ التواضع كسلاح مضاد للإدانة، لأن من يعرف ضعفه لا يجرؤ أن يدين الآخرين.
+ اما نفسياً واجتماعياً علينا أن ندرك أن الإدانة تسقط من داخلنا ما نخشى مواجهته.
+ طور في نفسك مهارات التفكير الإيجابي وقبول الاختلافات.
+ تربية الضمير الجمعي على ثقافة الاحترام والتقدير بدل النقد المستمر.
إن الإدانة هي خطية مدمّرة تحطم النفس والعلاقات، وتعيق الشركة مع الله. لهذا دعانا السيد المسيح إلى المحبة بدلاً من الإدانة، وسار الآباء القديسون على نفس النهج بالتواضع والرحمة. كما يكشف علم النفس والاجتماع عن أضرار الأدانة النفسية والاجتماعية البالغة. والعلاج يكمن في التوبة، التواضع، محبة الآخرين، واستبدال لغة النقد بلغة المحبة والبنيان والتشجيع.
المراجع
- الكتاب المقدس
- القديس يوحنا ذهبي الفم، العظات على إنجيل متى.
- بستان الرهبان، أقوال وسير الآباء.
- القديس أنطونيوس الكبير، رسائل روحية.
- Thomas Merton, No Man is an Island, Harcourt, 1955
- Rollo May, Love and Will, 1969.
- د. ماهر صموئيل، الإدمان والنفس البشرية.
- يوسف حبيب، القديس مقاريوس الكبير وسير الرهبان الأوائل.

