ما أعجب هذا السرّ الذي دُعي بحق “سرّ الأسرار”، فهو ليس سرًّا بين أسرار، بل قمة الأسرار، وغاية التدبير، وملء العطية. فيه لا يعطينا الله نعمة من نعمه، بل يعطينا ذاته؛لا يهبنا عطية من عطاياه، بل يهبنا “كل ملء اللاهوت” حاضرًا ومُعطى.
هو السرّ الذي فيه يلتقي الزمن بالأبدية، والتراب بالسماء، والإنسان بالله.
فإذا اقتربنا إليه، لا نقترب إلى طقس، بل إلى عرش؛ ولا نقترب إلى خبز، بل إلى جسد؛ ولا نقترب إلى كأس، بل إلى دم العهد الجديد.
ومن هنا نفهم لماذا دعته الكنيسة: سرّ الأسرار… لأنه يحمل في داخله :
- نعمةً عظيمة.
- وحياةً مستقيمة.
- وأبديةً بوعودٍ أمينة.
أولًا: نعمةٌ عظيمة:
هي نعمة تفوق العقل، وتسمو فوق الفهم، وتعجز الكلمات عن وصفها.يقول الرب: «مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ» (يو 6: 54). أي نعمة أعظم من هذه؟ أن يُعطى الإنسان حياة أبدية في لقمة، وخلاص في كأس!
إنها نعمة الغفران، ونعمة التجديد، ونعمة الاتحاد.
يقول القديس كيرلس الكبير: "كما أن الخبز الأرضي إذا أُخذ يغذّي الجسد، هكذا جسد المسيح يقدّس النفس ويمنحها حياة."
ليست نعمة تُمنح من بعيد، بل نعمة تُؤكل، وتُشرب، وتسري في الكيان كله.
فمن يقترب بإيمان، لا يخرج كما دخل، لأن النعمة تعمل فيه، والنعمة تغيّره، والنعمة ترفعه من ضعفه إلى قوة المسيح.
ثانيًا: حياةٌ مستقيمة:
الإفخارستيا لا تُعطى لنحيا كما كنا، بل لنصير كما تريد وصايا الله وتعاليمه . هي ليست مجرد غفران للماضي، بل قوة للحاضر، واستقامة لمسيرة الحياة.
لذلك يقول الرسول: «ليمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَالْكَأْسِ»
(1كو 11: 28). لأن من يتناول، يُدعى أن يحيا حياة تليق بما ناله.
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "كما أن الأسد ينفث نارًا، هكذا الخارج من هذا السرّ يجب أن يكون مرهبا للشياطين، لأنه حامل للنار الإلهية."
حياة مستقيمة في الفكر،وحياة مستقيمة في القول، وحياة مستقيمة في السلوك.
فلا يكون التناول نهاية جهاد،بل بداية تغيير؛ ولا يكون ختمًا للقداس، بل افتتاحًا لحياة جديدة.
ثالثًا: أبديةٌ بوعودٍ أمينة:
هذا السرّ لا يربطنا بالأرض، بل يفتح أمامنا السماء. فكل قداس هو عربون أبدية، وكل تناول هو تذوق للحياة التي لا تزول.
يقول الرب: «مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي» (يو 6: 57).
ويقول أيضًا: «أَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ» (يو 6: 54).
إنها وعود لا تتغير، وعهود لا تسقط، وكلمة لا تُنقض.
يقول القديس إيريناوس: "كما أن الخبز الذي من الأرض عندما يُستدعى عليه اسم الله لا يعود خبزًا عاديًا، بل إفخارستيا، كذلك أجسادنا إذ تشترك فيه تصير لها رجاء القيامة."
فمن يتناول، لا يخاف الموت، لأنه يحمل في داخله بذار القيامة؛ ولا يرهب النهاية،
لأنه قد بدأ الأبدية من الآن.
واخيراً يا أحبائى:
إن كنا قد دُعينا إلى “سرّ الأسرار”، فلنقترب بخشوع، وبإيمان، وباشتياق.
نقترب لا لأننا مستحقون، بل لأننا محتاجون؛ ولا لأننا كاملون، بل لأننا نطلب الكمال؛ ولا لأننا أبرار، بل لأننا نطلب البرّ.
لنقترب فننال نعمةً عظيمة تغيّرنا، ونحيا حياةً مستقيمة تليق بنا، ونتمسك بـ أبديةٍ بوعودٍ أمينة لا تزول.
وحينئذٍ لا يكون التناول عادة، بل لقاء؛ ولا يكون طقسًا، بل حياة؛ ولا يكون سرًّا مخفيًا، بل سرًّا مُعلنًا فين٠9… ومُثمرًا في أيامنا.
ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد… آمين.

